السيد محمد تقي المدرسي
39
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
ولأن المذهب جاء لتلطيف الأجواء والتوفيق بين الأفكار العقلية ، وأهل الحديث لمصلحة أهل الحديث في المحتوى ولمصلحة العقليين في المنهج . . أقول : لأن المذهب توفيقي في الأساس ، فإنه لا يخلو من التعقيد ، بل والتناقض أحياناً ، وفيما يلي نشرح بعض أفكار الأشعري التي ظلت عموماً مقبولة عند تابعيه بعد شرحها وبلورتها . أفكار الأشعري لا تخلو أفكار الأشعري عموماً من الغموض والتعقيد ، لأنها أساساً كانت قائمة على قاعدة الجمع بين المدرسة العقلية والمدارس القشرية التي كانت تسمى ب - ( الحشوية ) وكذلك من مذاهب أهل الحديث . موقف الأشعري من منهج القياس فالأشعري الذي تربى في حضن مدرسة القياس حتى الأربعين من عمره ، لا يزال يؤمن بالقياس الكلامي كمنهج لمعرفة أصول الدين . ففي الرد على الحشويين وأهل الحديث الذين نفوا جواز الاستدلال وأنكروا شرعية القياس ، يؤكد الأشعري أن القرآن يقر مبدأ القياس ، ويستخدمه في مواضع عديدة ، ففي مقالة تدور على معالجة هذه المشكلة خاصة عنوانها : استحسان الخوض في علم الكلام يبرز بوضوح موقف هذا العالم المعتزلي الأصل والمناوئ لأهل الحديث من مسألة شقت صفوف متكلمي القرن العاشر الميلادي فقد أنكر أصل الحديث التذرع بالقياس ، بل وبسائر أساليب الجدل والاستدلال جملة ! « 1 » . وحين يسلم الأشعري بالمنهج القياسي الذي أدى بأستاذه الجبائي إلى التناقض - حسب قوله - فهو بدوره لا يمكنه الفرار عن ذات النهاية .
--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 286 .